الشيخ محمد رشيد رضا

642

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

رسول اللّه ( ص ) بعث أبا لبابة إلى قريظة وكان حليفا لهم ، بل روي أنه كان وضع ماله وولده عندهم ، فأومأ بيده إلى الذبح فأنزل اللّه الآية ( مِنْ ذِكْراها ثم قال ) فقال رسول اللّه ( ص ) لامرأة أبي لبابة « أيصوم ويصلي ويغتسل من الجنابة ؟ » فقالت إنه ليصوم ويصلي ويغتسل من الجنابة ويحب اللّه ورسوله . والمراد ان النبي ( ص ) شك في ايمانه حتى أنه سأل امرأته هل يقوم في بيته بواجبات الاسلام ؟ فأجابته بصيغة التأكيد التي يجاب بها من أظهر شكه ، وفيه عبرة لمنافقي هذا الزمان الذين يخلصون الخدمة ويسدون النصيحة إلى أعداء ملتهم وأوطانهم فيما يمكن لهم السلطان في بلادهم والسيادة على أمتهم ولينظر المعتبر كيف عاقب أبو لبابة نفسه توبة إلى اللّه تعالى : شد نفسه على سارية من المسجد وقال : واللّه لا أذوق طعاما ولا شرابا حتى أموت أو يتوب اللّه عليّ - فمكث سبعة أيام لا يذوق طعاما ولا شرابا حتى خرّ مغشيا عليه ثم تاب اللّه عليه فقيل له قد تيب عليك فقال واللّه لا أحلّ نفسي حتى يكون رسول اللّه ( ص ) هو الذي يحلني ، فجاءه فحله بيده . وغزوة بني قريظة كانت بعد غزوة بدر التي نزلت فيها سورة الأنفال بسنين فيحتمل أن يكون المراد بنزول الآية في أبي لبابة أنها تتناول فعلته - وهذا التعبير يكثر مثله عنهم فيما يسمونه أسباب النزول كما قاله شيخ الاسلام ابن تيمية وغيره . ومن ذلك قول المغيرة بن شعبة : نزلت هذه الآية في قتل عثمان ( رض ) . ويحتمل أن تكون الآية نزلت بعد نزول السورة فألحقت بها بأمر اللّه لرسوله ( ص ) ومهما يكن سبب النزول فالآية عامة تشمل كل خيانة ولذلك فسر ابن عباس خيانة اللّه بترك فرائضه وارتكاب معصيته ، والأمانة بكل ما ائتمن اللّه عليه العباد بأن لا ينقضها رواه عنه ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم . والخيانة في أصل اللغة تدل على معنى الاخلاف والخيبة بنقض ما كان يرجى ويؤمل من الخائن أو نقص شيء منه ينافي حصوله وتحققه . ومنه : خانه سيفه ، إذا نبا عن الضريبة وخانته رجلاه إذا لم يقدر على المشي ، وخان الرشاء الدلو إذا انقطع . ومن معنى النقص أو الانتقاص في المادة قوله تعالى ( عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتانُونَ